في قلب ريف محافظة حماة السورية، يقف رزق السيد أمام بئر جافٍ لم يعد ينضح بالمياه كما في السابق. بئرٌ كان مصدر رزقه ومصدر ماء لشجر الزيتون والمواشي التي تربّاها لسنوات طويلة، لكنه اليوم «مجرد بئر صامت» بعد أشهر من الجفاف المستمر. يقول الرجل: «لم نشعر بحرٍّ كهذا من قبل… الأرض باتت قاحلة وكأننا وصلنا إلى نقطة لا عودة منها»، بحسب ما نشرت شبكة الآغا خان للتنمية.
هذه الصورة ليست مجرد حالة فردية، بل انعكاسٌ واقعي لـ أسوأ موجة جفاف تشهدها البلاد منذ أكثر من ستين عامًا، بحسب تقارير منظمات دولية تعنى بالأمن الغذائي والمائي. يقول الخبراء إن الجفاف هذا العام هدد سبل عيش نحو 14.5 مليون سوري — أي نحو ثلثي سكان البلاد — في وقت تكافح فيه سوريا للتعافي من عقود من النزاع وتراجع القدرات الاقتصادية.
مناخٌ متغير وإرث زراعي مهدد
لطالما ارتبطت الحياة في المناطق الريفية السورية بالزراعة وتربية المواشي، لكن ارتفاع درجات الحرارة وزيادة تواتر موجات الحرّ ونقص التساقطات المطرية قلبت المعادلة. تشير بيانات المناخ إلى أن درجات الحرارة في سوريا ارتفعت بما يقارب درجتين مئويتين منذ بداية القرن العشرين، مع توقعات بزيادتها في العقود القادمة، مما يزيد الضغط على موارد المياه ويضعف قدرة التربة على الاحتفاظ بالرطوبة.
والنتيجة كثير من المزارعين باتوا يغيّرون ممارساتهم الزراعية أو يتخلون عن زراعة المحاصيل التقليدية التي تحتاج إلى مياه كثيرة مثل القمح، مستبدلين إياها بمحاصيل أقل استهلاكًا للمياه أو بالاعتماد على تقنيات حديثة مثل البيوت البلاستيكية وأنظمة الري بالتنقيط.
التكيف أم الهجرة؟
في قرى مثل تلدرة وجدوعة، حيث يمارس بعض المزارعين زراعة الخضار داخل بيوت بلاستيكية مدعومة بتقنيات ضخ المياه بالطاقة الشمسية، تبدو بعض بوادر التكيف ممكنة. لكن هذه الحلول تبقى متاحة لعدد محدود من العائلات التي تحصل على دعم من منظمات دولية، في حين أن غالبية المزارعين تواجه واقعًا صعبًا دون بدائل واضحة.
وتساهم منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة “الفاو” في إعادة تأهيل شبكات الري وتوفير الدعم الفني لنحو آلاف الأسر الزراعية، ما يعطي بعض الطمأنينة في أماكن مثل حلب ودير الزور وإدلب.
غير أن التحدي يبقى كبيرًا وسط استغلال مفرط للمياه الجوفية، وانتشار آبار غير قانونية، وتراجع الهطولات المطرية، في وقت يرى بعض السكان أن الحلول بطيئة لا ترتقي إلى حجم الأزمة.
خطورة المستقبل
في ظل هذه التغيرات المناخية المتسارعة، يتصارع المزارعون السوريون بين ثلاثة خيارات صعبة: التكيف مع الظروف المناخية المتشددة، أو التخلي عن الزراعة، أو اللجوء إلى الهجرة نحو المدن أو خارج البلاد بحثًا عن فرص أفضل، ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة وتراجع مصادر المياه، يخشى الكثيرون أن يصبح خيار الرحيل هو الخيار الوحيد للبقاء.
الجفاف وتراجع إنتاج المحاصيل الرئيسية
تعاني سوريا هذا العام أسوأ موجة جفاف في أكثر من 60 سنة، نتيجة انخفاض كبير في هطول الأمطار وارتفاع درجات الحرارة.
ووفق بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) تضرر محصول القمح، الذي يُعد الغذاء الأساسي لسكان البلاد، بشدة هذا الموسم، حيث انخفض الإنتاج بشكل حاد مقارنة بالسنوات السابقة.
تشير تقديرات منظمة الفاو إلى أن المحصول من القمح منخفض جدًا هذا العام، ما يجعل الموسم الزراعي الحالي من بين الأدنى إنتاجًا في تاريخ سوريا المعاصر.
ولا تقتصر خسائر المحاصيل على القمح وحده، بل تمتد إلى محاصيل أخرى تعتمد على الري والظروف المناخية المناسبة.
يرجع هذا التراجع أساسًا إلى قلة الأمطار خلال فصل الشتاء وارتفاع درجات الحرارة خلال موسم النمو، مما أدى إلى تلف واسع في الأراضي المعتمدة على الأمطار وضعف في إنتاج الأراضي التي يتم ريّها جزئيًا.بالعائلات الريفية إلى البحث عن مصادر دخل بديلة أو الهجرة نحو المدن، مما يزيد الضغوط على البنى الاجتماعية والاقتصادية.
بيئة سوريا
اكتشاف المزيد من بيئة سوريا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
