شكّلت الزراعة في سوريا تاريخياً أحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد السوري، ومصدراً رئيسياً للأمن الغذائي وسبل العيش لملايين السكان، ولا سيما في الأرياف.
وكانت سوريا تُعد من الدول شبه المكتفية ذاتياً في عدد من المحاصيل الاستراتيجية، وعلى رأسها القمح، إضافة إلى الزيتون والخضراوات والقطن، غير أن هذا القطاع الحيوي دخل خلال السنوات الماضية في مسار تدهور حاد، نتيجة تداخل عوامل مناخية وسياسية واقتصادية وأمنية، جعلت من أزمة الزراعة اليوم إحدى أخطر الأزمات البنيوية التي تواجه البلاد.
الزراعة في سوريا بين الحرب والانهيار البنيوي
أثّرت سنوات الحرب الطويلة بشكل مباشر وعميق في البنية الزراعية السورية، إذ خرجت مساحات واسعة من الأراضي من الخدمة إما بسبب العمليات العسكرية أو بسبب النزوح وفقدان الأمان، فيما تعرّضت شبكات الري والسدود والقنوات والمضخات للتدمير أو الإهمال.
كما فقد آلاف المزارعين أدوات الإنتاج الأساسية، من الآلات الزراعية إلى مستلزمات التخزين والنقل، ما أدى إلى ارتفاع الفاقد الزراعي وتراجع القدرة على تسويق المحاصيل.
ولعب النزوح الداخلي دوراً حاسماً في تفريغ الريف من اليد العاملة الزراعية، خاصة في مناطق الجزيرة السورية وسهل الغاب وريف حلب وحماة، وهي مناطق كانت تعد تاريخياً خزان الحبوب في البلاد. هذا النزوح لم يكن مؤقتاً في كثير من الحالات، بل ترافق مع فقدان الملكية أو صعوبة العودة إلى الأراضي الزراعية، ما أضعف الاستمرارية الزراعية وأفقد الخبرات المحلية تراكمها الطبيعي.
الجفاف وتغيّر المناخ: العامل الصامت الأكثر فتكاً
إلى جانب الحرب، يبرز تغيّر المناخ كعامل حاسم في تعميق الأزمة الزراعية، فخلال السنوات الأخيرة، شهدت سوريا موجات جفاف متتالية تُعد من الأشد منذ عقود، رافقها انخفاض ملحوظ في معدلات الهطول المطري وارتفاع قياسي في درجات الحرارة، هذه التحولات المناخية أصابت الزراعة البعلية، التي تشكّل نسبة كبيرة من الإنتاج الزراعي السوري، في مقتل.
تشير بيانات متعددة إلى أن البلاد تشهد أسوأ موجات جفاف منذ عقود، مع آثار مناخية ليست عابرة بل ممتدة ومتصاعدة. ففي موسم 2024–2025، سجّلت سوريا عجزاً في الهطول المطري بلغ نحو 59٪ عن المعدل السنوي الطبيعي، ما يعني تراجعاً حاداً في المياه المتاحة للزراعة التي تعتمد غالباً على الأمطار.
ويُعدّ هذه الجفاف من بين الأشد في التاريخ الحديث؛ حيث تقول منظمة الأغذية والزراعة (فاو) إن 95٪ من القمح البعل تضرر بشكل شبه كامل، بينما من المتوقع أن يكون إنتاج القمح المروي أقل بنسبة 30–40٪ من المعتاد، ما ينذر بفجوة إنتاج تقدَّر بين 2.5 و2.7 مليون طن من القمح محلياً.
هذه التحولات المناخية تلعب في سياق زيادة درجات الحرارة وهشاشة التربة وانخفاض موارد المياه السطحية والجوفية، وهي ليست مجرد تقلبات موسمية، بل جزء من اتجاه جاف طويل الأمد مرتبط بارتفاع درجات الحرارة وتناقص الهطول في حوض شرق البحر المتوسط، كما تشير نماذج منظمة الأغذية والزراعة إلى أن مثل هذه الجفاف الشديدة أصبحت أقل احتمالاً في غياب هذا الاتجاه العام نحو الجفاف والتدفّق الحراري المتزايد في المنطقة.
وبالتالي، فإن الزراعة البعلية – التي تعتمد على الأمطار وتشكّل نسبة كبيرة من إنتاج الحبوب في سوريا – تتعرض لضغوط غير مسبوقة، ما يُضعف إنتاج المحاصيل الأساسية مثل القمح والغلال ويزيد من مخاطر انعدام الأمن الغذائي.
كما أن انخفاض منسوب نهر الفرات وتراجع مخزون السدود، لا سيما سد الفرات وسدود حوض العاصي، قلّصا بشكل كبير المساحات القابلة للري، كما أدى الإفراط في استنزاف المياه الجوفية، في ظل غياب إدارة مستدامة للموارد المائية، إلى تدهور طويل الأمد في خصوبة التربة وقدرتها الإنتاجية.
ومع تزايد موجات الحر والعواصف الغبارية، أصبحت مواسم الزراعة أكثر تقلباً وأقل قابلية للتنبؤ، ما رفع منسوب المخاطر أمام المزارعين.
الاقتصاد المنهك وتكاليف الإنتاج المرتفعة
لا يمكن فصل الأزمة الزراعية في سوريا عن السياق الاقتصادي العام، فالانهيار الحاد في قيمة العملة المحلية وارتفاع معدلات التضخم انعكسا بشكل مباشر على تكاليف الإنتاج الزراعي، كما ارتفعت أسعار الوقود والأسمدة والبذور إلى مستويات تفوق قدرة معظم المزارعين، في وقت تراجع فيه الدعم الحكومي للقطاع الزراعي بشكل ملحوظ.
إضافة إلى ذلك، أثّرت القيود التجارية والعقوبات الاقتصادية في قدرة البلاد على استيراد مستلزمات الإنتاج الحديثة، من تقنيات الري إلى المعدات الزراعية، كما صعّبت عمليات تصدير الفائض الزراعي، ما حرم المزارعين من مصدر مهم للدخل.
هذا الواقع دفع كثيرين إلى تقليص المساحات المزروعة أو العزوف عن الزراعة كلياً، الأمر الذي فاقم من تراجع الإنتاج المحلي.
الأمن الغذائي: من الاكتفاء إلى الهشاشة
تجلّت نتائج هذا التدهور الزراعي بوضوح في ملف الأمن الغذائي، فإنتاج القمح، الذي كان في صلب السياسة الزراعية السورية لعقود، تراجع إلى مستويات لا تغطي سوى جزء محدود من الحاجة المحلية، وأصبحت البلاد تعتمد بشكل متزايد على الاستيراد لتأمين الخبز والمواد الأساسية، في وقت تعاني فيه من شح الموارد المالية وارتفاع أسعار الغذاء عالمياً.
وفق تقارير الأمم المتحدة وبرنامج الأغذية العالمي، يعيش اليوم أكثر من نصف سكان سوريا في حالة من انعدام الأمن الغذائي بدرجات متفاوتة، نتيجة تداخل الحرب الطويلة مع انهيار اقتصادي حاد وجفاف طويل الأمد. تشير أحدث بيانات برنامج الأغذية العالمي إلى أن نحو 9.1 مليون شخص في سوريا يعانون انعدام الأمن الغذائي بشكل حاد، بينما يصل العدد الإجمالي لمن يعانون من نقص الأمان الغذائي مع ضعف القدرة على الحصول على الغذاء إلى ما يقرب من 12.9 مليون شخص، أي أكثر من نصف مجموع السكان، من هؤلاء، حوالي 3 ملايين شخص يواجهون ظروف جوع شديدة تتطلب تدخلات عاجلة.
هذا الواقع يجعل الأوضاع الغذائية في البلاد هشّة، خصوصاً مع تضاعف أسعار المواد الغذائية مقارنة بالدخل الفعلي للأسر؛ فتكاليف الغذاء الأساسية باتت تفوق قدرة الكثير من العائلات على الشراء، ما يدفعها إلى اتباع استراتيجيات سلبية للبقاء مثل تقليص عدد الوجبات، تقليل جودة الغذاء، الاعتماد على الديون، وبيع الأصول الإنتاجية مثل المواشي والمعدات الزراعية فقط لتأمين احتياجاتها الأساسية.
وتتأثر المناطق الريفية بشكل خاص بهذا التدهور، إذ غالباً ما تكون الأسر الزراعية غير قادرة على تأمين غذائها حتى في أوقات الإنتاج، بسبب انخفاض المحاصيل، وارتفاع تكاليف الإنتاج،ومحدودية وصول المساعدات، وتضرّر سلاسل التوريد الريفية.
وقد أكد برنامج الأغذية العالمي أن نسبة النزوح والتشرد تفاقمت هذه الهشاشة، إذ يعيش أكثر من 7 ملايين نازح داخلياً في بيئات تعتمد على شبكات غذائية ضعيفة أو غير مستقرة.
النتيجة أن منتجي الغذاء أنفسهم أصبحوا من أكثر الفئات عرضة للجوع، ففي المناطق التي كانت من قبل تشكل خزاناً للغذاء، مثل الجزيرة السورية وريف حلب وحماة، بات الكثير من الأسر الزراعية تعتمد على المساعدات الغذائية نظراً لتراجع الإنتاج الزراعي وضعف عائدات المحاصيل.
أبعاد اجتماعية وبيئية عميقة
لا تقتصر تداعيات الأزمة الزراعية على الجانب الاقتصادي أو الغذائي فحسب، بل تمتد إلى النسيج الاجتماعي والبيئي، فقد أسهم تراجع الزراعة في تفاقم الفقر والبطالة في الأرياف، ودفع بمزيد من السكان نحو الهجرة الداخلية أو الخارجية، كما أدى الإهمال الزراعي إلى تدهور الأراضي وزيادة التصحر وفقدان التنوع الحيوي، خاصة في المناطق التي كانت تعتمد على أنماط زراعية تقليدية متوازنة.
في المقابل، ساهم الضغط المتزايد على الموارد الطبيعية في تعميق الاختلال البيئي، إذ لجأ بعض المزارعين إلى حلول قصيرة الأمد، مثل الإفراط في استخدام المياه أو الأسمدة، ما يهدد الاستدامة البيئية على المدى الطويل.
نحو مقاربة شاملة لإنقاذ الزراعة في سوريا
إن معالجة أزمة الزراعة في سوريا تتطلب مقاربة شاملة تتجاوز الحلول الإسعافية. فإعادة تأهيل البنية التحتية الزراعية، ولا سيما شبكات الري وإدارة المياه، تمثّل خطوة أساسية لاستعادة جزء من القدرة الإنتاجية، كما أن التكيف مع تغيّر المناخ، عبر تبني محاصيل أقل استهلاكاً للمياه وأكثر تحمّلاً للجفاف، بات ضرورة لا خياراً.
وفي السياق ذاته، يبرز دور السياسات العامة في دعم المزارعين، سواء من خلال توفير مستلزمات الإنتاج بأسعار مدعومة، أو ضمان تسويق المحاصيل بأسعار عادلة، أو تشجيع المبادرات المجتمعية والتعاونية، كما يبقى التعاون مع المنظمات الدولية، مثل منظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأغذية العالمي، عنصراً محورياً في سد الفجوات التقنية والتمويلية.
تقف الزراعة في سوريا اليوم عند مفترق طرق حاسم، فاستمرار التدهور يعني تعميق أزمة الأمن الغذائي وتوسيع رقعة الفقر والاعتماد على الخارج، بينما يشكّل الاستثمار في هذا القطاع فرصة حقيقية لتعزيز الصمود الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.
بيئة سوريا
اكتشاف المزيد من بيئة سوريا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
