شهد ريف محافظة القنيطرة خلال الأسابيع الأخيرة حادثة أثارت جدلاً واسعاً على المستويين المحلي والدولي، بعد أن أفادت مصادر رسمية وأهالي القرى بأن طائرات إسرائيلية قامت برش مواد كيميائية يعتقد أنها مادة الغليفوسات على أراضٍ زراعية في المنطقة.
السلطات السورية أكدت أن المواد المستخدمة لا تزال مجهولة التركيب، وأن فرق مديرية الزراعة تقوم حالياً بجمع العينات وتحليلها لتحديد طبيعتها وتقييم المخاطر البيئية والصحية المحتملة على السكان والأراضي والمحاصيل.
وأكدت التقارير الميدانية أن رش المواد تسبب في يَباس الأعشاب والنباتات في عدة قرى، مما أدى إلى قلق واسع بين المزارعين حول تأثير هذه المواد على الإنتاج الزراعي وصحة الإنسان.
من جانبها، وصفت منظمات حقوقية مثل Euro-Med Monitor الحادثة بأنها انتهاك للقانون الدولي الإنساني، محذرة من أن استهداف الأراضي الزراعية بطريقة منهجية قد يشكل جريمة بيئية إذا ثبت تعمد استخدام المواد الكيميائية لإلحاق الضرر بالمحاصيل والبشر.
الغليفوسات والمخاطر المحتملة
تأتي هذه المخاوف في ظل ترجيح بعض الخبراء أن المواد الكيميائية المستخدمة قد تشمل الغليفوسات، وهو مبيد أعشاب واسع الاستخدام عالمياً للقضاء على النباتات الضارة.
ويعمل الغليفوسات عن طريق منع إنتاج أحماض أمينية أساسية في النباتات، ما يؤدي إلى موت النبات بالكامل بعد امتصاصه عبر الأوراق.
وعلى الرغم من استخدامه الشائع في الزراعة، إلا أن الغليفوسات يحمل العديد من المخاطر الصحية والبيئية، فقد يؤدي التعرض الحاد للرذاذ أو ملامسة الجلد إلى تهيج العينين والجلد، والغثيان والصداع، بينما يشير التعرض المزمن إلى احتمالات الإصابة باضطرابات هرمونية وأمراض كبدية وكلوية، وربما بعض أنواع السرطان عند التعرض طويل الأمد أو بجرعات عالية.
وتصنف الوكالة الدولية لأبحاث السرطان التابعة لمنظمة الصحة العالمية (IARC) الغليفوسات ضمن المواد المحتمل أن تكون مسرطنة للبشر، في حين ترى الهيئات الأوروبية ووكالة حماية البيئة الأمريكية أن الأدلة العلمية غير كافية لإثبات خطر السرطان عند الاستخدام الصحيح.
أما على المستوى البيئي، يشكل الغليفوسات تهديداً للتربة من خلال تغيير توازن الكائنات الدقيقة المفيدة، كما يمكن أن تنتقل بقاياه إلى المياه السطحية والجوفية مهددة الحياة المائية، بالإضافة إلى تأثيره المباشر على المحاصيل الزراعية، حيث يمكن أن يؤدي الرش المكثف إلى موت النباتات وانخفاض الإنتاج الزراعي وزيادة خطر الأمن الغذائي في المناطق المتضررة.
التعامل مع الغليفوسات
تتطلب معالجة هذه الأزمة نهجاً متكاملاً يجمع بين الاستجابة الطارئة للأضرار وحماية البيئة والصحة العامة على المدى الطويل.
فمن الناحية البيئية، يعد جمع العينات وتحليلها خطوة أساسية لتحديد تركيز المواد الكيميائية وأي مركبات ضارة أخرى، يليها عزل الأراضي الملوثة مؤقتاً لمنع انتشار السموم عبر التربة والمياه، وإعادة تأهيل التربة باستخدام تقنيات التحلل الحيوي والميكروبات للتخلص من المبيدات.
كما يجب مراقبة المياه الجوفية والسطحية لضمان عدم تلوث مصادر الشرب، بالإضافة إلى تقييم الأضرار الزراعية لتحديد المحاصيل التي يمكن استهلاكها بأمان، وتقديم الدعم للمزارعين المتضررين عبر خطط حكومية أو منظمات إنسانية، واعتماد زراعة بديلة أو معالجة التربة لضمان استدامة الإنتاج.
على صعيد الصحة العامة، يجب توعية الأهالي حول تجنب التعرض المباشر للرذاذ الكيميائي، وارتداء أدوات الوقاية، وإجراء فحوصات طبية دورية للمزارعين والسكان في المناطق المتضررة، إلى جانب تقديم الدعم النفسي والطبي للأهالي المتأثرين. وتبرز هذه الإجراءات كخطوة حاسمة لتقليل المخاطر الصحية طويلة الأمد على السكان المحليين، وضمان حماية المجتمع من التأثيرات السمية المحتملة للمواد الكيميائية.
بيئة سوريا
اكتشاف المزيد من بيئة سوريا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
